تجارب تنظيم السوق العقارية إقليمياً ودولياً.. ما النموذج الأنسب لمصر؟

أهم النقاط
- تستهدف إعادة تنظيم السوق العقارية حماية أموال المشترين وضمان التزام المطورين بمواعيد التنفيذ.
- يعتمد نموذج دبي على حساب ضمان مستقل لكل مشروع ورقابة رقمية على التراخيص ونسب الإنجاز.
- تنظم السعودية البيع على الخارطة عبر منظومة «وافي» التي تشمل الترخيص المسبق وحسابات الضمان وآليات التعامل مع المشروعات المتعثرة.
- يقترح خبراء تطبيق نموذج مصري هجين تدريجياً، يبدأ بالمشروعات الكبرى والبيع على الخارطة مع فترة انتقالية للشركات.
- تشمل المقترحات المصرية منصة رقمية موحدة ونظام إنذار مبكر وتنظيم الإعلانات وآلية لإنقاذ المشروعات المتعثرة.
تجعل الوحدات التي تُباع قبل بنائها، والأقساط الممتدة لسنوات، ومدخرات المواطنين المستثمرة في مشروعات لم تكتمل بعد، حماية المشترين وضبط السوق العقارية قضية تتجاوز العلاقة بين المطور والعميل.
وجاءت توجيهات الرئيس عبدالفتاح السيسي الأخيرة بضبط السوق والتعامل بحزم مع الشركات المتأخرة في تنفيذ مشروعاتها، لتفتح الباب أمام إعادة النظر في منظومة الرقابة على القطاع. ومع اتساع السوق وزيادة قيمة الاستثمارات، لم يعد التحدي مقتصراً على زيادة المبيعات وإطلاق مشروعات جديدة، بل يشمل ضمان التزام المطورين بمواعيد التنفيذ، وحماية أموال العملاء، والحفاظ على الثقة في السوق.
وتختلف تجارب تنظيم السوق العقارية دولياً وفق طبيعة كل سوق وأولوياته، لكنها تتفق على الحد من المخاطر وتعزيز الثقة واستدامة القطاع.
وقال علاء فكري، رئيس شركة بيتا إيجيبت ونائب رئيس لجنة التطوير العقاري بجمعية رجال الأعمال المصريين، إن تطوير الرقابة على السوق المصرية أصبح ضرورة لحماية حقوق جميع الأطراف وضمان استدامة القطاع. وأضاف أن التجربتين الإماراتية والسعودية تقدمان نماذج يمكن الاستفادة منها، لكن مصر لا تحتاج إلى نقل تجربة دولة بعينها حرفياً، بل إلى نموذج مصري يستفيد من أفضل الممارسات الدولية.
تجربة دبي
تعد دبي من أبرز النماذج العربية في تنظيم السوق، إذ تجمع بين تسجيل المشروعات وترخيصها، والرقابة على المطورين، وتنظيم البيع على الخارطة، وحماية أموال المشترين، من خلال دور تنظيمي ورقابي قوي لدائرة الأراضي والأملاك والجهات المختصة.
وتشكل حسابات الضمان إحدى أهم ركائز النموذج الإماراتي. ويلتزم المطورون الذين يبيعون وحدات على الخارطة بفتح حساب ضمان مستقل لكل مشروع، مع إخضاع حركة الأموال وضوابط الصرف للرقابة، لضمان توجيه أموال العملاء إلى المشروع الذي جُمعت من أجله.
كما تتيح المنظومة الرقمية للمشتري الاستعلام عن ترخيص المشروع وحالته ونسب الإنجاز وتفاصيله.
التجربة السعودية
تقدم السعودية نموذجاً مختلفاً من خلال الهيئة العامة للعقار ومنظومة تنظيم البيع والتأجير على الخارطة «وافي». وتضع المنظومة إطاراً رسمياً لترخيص مشروعات البيع على الخارطة وتسجيل المطورين، بما يجعل النشاط خاضعاً للرقابة المسبقة، لا مجرد عملية تسويقية.
ويرتبط الترخيص بمتطلبات تنظيمية، مع إيداع أقساط المشترين في حساب ضمان مستقل لكل مشروع ووضع ضوابط لاستخدام الأموال، بما يربط أموال العميل بالمشروع الذي دفع مقابله. كما توفر «وافي» آليات للتعامل مع مشروعات البيع على الخارطة المتعثرة، بما يعزز حماية المشترين ويوضح طريقة إدارة المخاطر.
النموذج البريطاني
قال طارق عيد، عضو مجلس إدارة «المجموعة العربية الكويتية» والمدير التنفيذي لشركة «بيت الاستثمار العربي»، الذراع العقارية للمجموعة، إن التجربة البريطانية تركز على الشفافية وحماية المشتري والمساءلة بعد البيع.
وتضع التجربة معايير واضحة لمراحل بيع الوحدات والتعاقد والتسليم وخدمات ما بعد البيع، مع إلزام المطور بتقديم معلومات دقيقة عن الوحدة والتكاليف والالتزامات المستقبلية. كما تتيح للمشتري اللجوء إلى جهات متخصصة ومستقلة في المشروعات السكنية الجديدة للتعامل مع شكاوى جودة البناء أو أداء المطور، مع استمرار مسؤولية المطور عن خدمات ما بعد البيع.
نموذج مصري هجين
يرى فكري أن اختلاف حجم السوق المصرية وعدد المطورين وطبيعة المشروعات وآليات التمويل يجعل استنساخ نموذج دولي بالكامل غير مناسب. واقترح نموذجاً رقابياً هجيناً يرتكز على:
- إنشاء جهة تنظيمية مستقلة وقوية تتولى الترخيص والرقابة والتفتيش ومتابعة المشروعات.
- تطبيق حسابات الضمان تدريجياً، خصوصاً في مشروعات البيع على الخارطة، وربط استخدام أموال العملاء بمعدلات الإنجاز الفعلية.
- منع بيع المشروعات قبل استيفاء المتطلبات الأساسية الخاصة بالأرض والتراخيص والتصميمات والقدرة على التنفيذ، وفقاً لعبير عصام، رئيس مجلس إدارة شركة عمار للتطوير العقاري ورئيس لجنة المشروعات الصغيرة والمتوسطة بشعبة الاستثمار العقاري.
- إنشاء قاعدة بيانات ومنصة رقمية موحدة للتحقق من ترخيص المطور والمشروع، ومعرفة موقف التنفيذ ونسب الإنجاز.
- توفير آلية متخصصة وسريعة لفض المنازعات العقارية.
وأكد فكري ضرورة تطبيق النموذج تدريجياً لتجنب زيادة الأعباء على الشركات أو التأثير في الاستثمار والتنفيذ، على أن يبدأ بالمشروعات الكبرى ومشروعات البيع على الخارطة، مع منح الشركات فترة انتقالية لتوفيق أوضاعها.
ترخيص مسبق وإنذار مبكر
يرى عيد أن إصلاح المنظومة يبدأ بترخيص المشروعات قبل البيع، من خلال ملف يوضح ملكية الأرض والتراخيص والتكلفة والتمويل والبرنامج الزمني والقدرة على استكمال التنفيذ. كما اقترح نظام إنذار مبكر ومنصة رقمية لمتابعة نسب التنفيذ والسيولة وموعد التسليم، وتصنيف المشروعات وفق مستويات المخاطر.
ودعا كذلك إلى تنظيم الإعلانات والوسطاء، ومنع الترويج للمشروعات غير المرخصة، وإنشاء جهاز متخصص لحماية المتعامل العقاري والتعامل سريعاً مع شكاوى التأخير واختلاف المواصفات والإعلانات المضللة.
واقترح عيد وضع آلية لإنقاذ المشروعات المتعثرة عبر إعادة الهيكلة، أو تغيير المقاول والإدارة، أو نقل المشروع إلى مطور مؤهل، قبل اللجوء إلى العقوبات.