السيولة المحلية في مصر تتراجع 68.9 مليار جنيه خلال يونيو.. أين ذهبت الأموال؟

أهم النقاط
- تراجعت السيولة المحلية في مصر 0.4% خلال يونيو إلى 15.26 تريليون جنيه، بانخفاض 68.9 مليار جنيه عن مايو.
- قالت سهر الدماطي إن زيادة اقتراض الشركات وتوظيف البنوك أموالها في أدوات الدين الحكومية ساهما في امتصاص السيولة.
- رجّح خبراء توجه جزء من المدخرات إلى العقارات والذهب والأسهم والقطاع المالي غير المصرفي للتحوط من التضخم والحفاظ على القيمة.
- بلغت مشتريات المصريين من الذهب 22 طناً خلال النصف الأول من 2026، منها 11.9 طن من السبائك والعملات و10.1 طن من المشغولات.
- قد يدفع انخفاض التضخم المستثمرين لاحقاً نحو الأسهم والأوعية الادخارية المصرفية إذا أصبحت عوائدها الحقيقية أكثر جاذبية.
تراجعت السيولة المحلية في مصر 0.4% على أساس شهري خلال يونيو، في أول انخفاض من نوعه منذ سنوات، ما أثار تساؤلات حول اتجاه الأموال داخل الاقتصاد.
وانخفضت السيولة بنحو 68.9 مليار جنيه إلى 15.26 تريليون جنيه، مقابل 15.33 تريليون جنيه في مايو، وفق بيانات حديثة للبنك المركزي المصري.
وتشمل السيولة المحلية (M2) المعروض النقدي (M1) المتداول خارج الجهاز المصرفي، والودائع الجارية غير الحكومية بالعملة المحلية لدى البنوك، بعد خصم أرصدة الشيكات والحوالات المشتراة.
وتباينت التفسيرات بين انتقال السيولة إلى العقارات والذهب والأسهم للتحوط والحفاظ على القيمة، وامتصاص جانب منها عبر زيادة الإقراض وتوظيف البنوك أموالها في أدوات الدين الحكومية.
وقالت الخبيرة المصرفية ونائب رئيس بنك مصر سابقاً، سهر الدماطي، إن التراجع يرتبط بعوامل مصرفية ونقدية. وأوضحت لـ"العربية Business" أن انخفاض أسعار الفائدة شجع الشركات على زيادة الاقتراض لتمويل احتياجاتها وتحسين دورة رأس المال العامل، ما رفع نسبة القروض إلى الودائع وسحب جزءاً من السيولة المتاحة لدى البنوك.
وأضافت أن البنوك المصرية وسّعت خلال الفترة الماضية توظيف أموالها في أذون الخزانة وأدوات الدين الحكومية للاستفادة من عوائدها المرتفعة، ما ساهم أيضاً في امتصاص السيولة. كما أثرت تغيرات سعر الصرف في مؤشرات السيولة، نتيجة انعكاس تغير تقييم الأصول والالتزامات بالعملات الأجنبية على بعض المؤشرات المصرفية.
وتزامن تراجع السيولة مع انخفاض الائتمان المحلي 2.1% إلى نحو 17.6 تريليون جنيه، مقابل 18 تريليون جنيه في القراءة السابقة. ويأتي ذلك رغم اعتياد الشركات على تكلفة أموال مرتفعة تتجاوز 20%، مع طلب معزز على الاقتراض.
أين اتجهت السيولة؟
رجّح عضو الجمعية المصرية للاقتصاد والتشريع، محمد أنيس، توجه جزء من السيولة إلى الاستثمار والتحوط من التضخم، بينما ذهب جزء آخر إلى الاستهلاك بدعم من التوسع في التمويل غير المصرفي، خصوصاً التمويل الاستهلاكي.
وقال إن الذهب والأسهم والعقارات كانت من أبرز الأوعية الجاذبة للسيولة الاستثمارية خلال الفترة الماضية. ويميل أصحاب المدخرات الكبيرة إلى الاستثمار في الأصول للحفاظ على قيمتها، بينما تتجه الشرائح الأقل امتلاكاً للسيولة إلى الاستهلاك.
ويرى أنيس أن انخفاض السيولة لا يعني بالضرورة تحولاً هيكلياً في سلوك المدخرين، بل قد يمثل تصحيحاً لمستويات السيولة المرتفعة التي شهدها الاقتصاد خلال السنوات الماضية، في ظل التضخم واضطرابات سوق الصرف.
وتوقع أن يستقطب القطاع العقاري جزءاً من السيولة الباحثة عن التحوط، خاصة من المستثمرين الذين ينظرون إلى العقار كوسيلة للحفاظ على قيمة المدخرات في مواجهة التضخم، وليس بالضرورة لتحقيق عائد دوري.
وأظهر تقرير أعدته شركة "ذا بورد كونسلتينج للاستشارات" ارتفاع مبيعات أكبر 10 شركات تطوير عقاري عاملة في مصر إلى 670 مليار جنيه خلال النصف الأول من العام الحالي، مقابل 651 مليار جنيه في الفترة نفسها من العام الماضي، بنمو يقارب 3%.
لكن الخبير العقاري عبد الرحمن خليل قال إن حركة السيولة شهدت تحولاً أوسع، مع توجه جزء من أموال المستثمرين إلى أدوات القطاع المالي غير المصرفي ومنصات الاستثمار الحديثة، مثل الاستثمار العقاري التشاركي والتمويل الاستهلاكي ومنصات الاستثمار الجزئي وصناديق الاستثمار، التي جذبت مليارات الجنيهات.
وأضاف أن صغار المستثمرين اتجهوا بدرجة أكبر إلى تنويع مدخراتهم بين أكثر من وعاء. وجاء القطاع المالي غير المصرفي في مقدمة القطاعات الاستثمارية الجاذبة للسيولة منذ بداية العام، يليه العقار ثم الأسهم والذهب.
وقال الشريك المؤسس لشركة "غولدن أرينا"، أحمد فهيم، إن الذهب كان من أبرز الأوعية التي جذبت السيولة الاستثمارية خلال النصف الأول من العام، خاصة مع توسع البنوك والمؤسسات المالية في إطلاق صناديق للاستثمار في الذهب، إلى جانب المشغولات والسبائك.
وأوضح أن هذه الصناديق وسّعت قاعدة المستثمرين وأتاحت أدوات منظمة للاستثمار في المعدن، كما وفر انخفاض أسعار الذهب خلال بعض الفترات فرص شراء للمستثمرين على المدى الطويل.
وبلغ إجمالي مشتريات المصريين من الذهب خلال النصف الأول من 2026 نحو 22 طناً، منها 11.9 طن من السبائك والعملات الذهبية و10.1 طن من المشغولات، وفق بيانات مجلس الذهب العالمي.
ورجّح خليل استمرار تنوع خريطة توزيع السيولة خلال النصف الثاني من العام، مع احتمال صعود الذهب كأحد الأوعية الجاذبة للاستثمار، إلى جانب استمرار العقار في جذب اهتمام المستثمرين. كما توقع أن تمتد المنافسة على السيولة إلى سوق الأسهم، خاصة مع الطروحات الحكومية المرتقبة التي قد تدفع المستثمرين إلى إعادة توزيع محافظهم.
في المقابل، رأى أنيس أن تراجع معدلات التضخم في مصر خلال الفترة المقبلة قد يقلل جاذبية بعض أدوات التحوط، ويدفع المستثمرين تدريجياً نحو الأسهم والأوعية الادخارية المصرفية، إذا أصبحت عوائدها الحقيقية أكثر جاذبية من الاستثمار في الأصول.